فمن قواعدهم الجليلة النافعة – التي نحتاج إليها أمسَّ الحاجة – ردّ الجرح إذا كان الجارح مجروحاً أو طاعناً فيمن هو أوثق منه؛ وذلك لعدم أهليّة الناقد وكونه مظنّة الحسد والتعنت والإسراف والأهواء الشخصية والمذهبية. وقد جَرَى هذا المنهج العلمي في ثقافة أمتنا بين العظم واللّحم، وسَرى بين السَّحْر والنَّحْر؛ حتى أنشد الشعراء:
وإذا أتتك مذمَّتي من نـاقص فهي الشهـادة لي بأنّيَ كامل
ما ضرَّني حسد اللئام ولم يَزَل ذو الفضل يحسده ذوو التقصير
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه وصدّق مـا يعتاده من توهم
وقد روى الشيخان أنّ ذا الخويصِرة التميمي قال للنبي صلى الله عليه وسلّم: (يا رسول الله اعْدِلْ) فقال: (ويلك. ومَن يَعْدِلُ إذا لم أعدِل) وطلب عمر وخالد رضي الله عنهما أن يضربا عنق ذي الخويصرة لإساءته الظنّ والأدب مع النبي صلى الله عليه وسلّم، وفي الصحيحين أنّ أهل الكوفة شَكَوا سعد بن أبي وقاص إلى عمر رضي الله عنهما، وعابوه في كلّ شيء حتى في الصلاة، فقال: (لقد رأيتني وأنا ثلث الإسلام ... ثم أصبحَت بنو أسد تعزّرني على الإسلام!) وفي رواية (تعلمني الأعراب بالصلاة!)، وروى مسلم عن عبدالله بن شقيق قال: (خَطَبَنا ابن عباس يوماً بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم وجعل الناس يقولون الصلاةَ الصلاةَ. فجاءه رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني: الصلاةَ الصلاةَ. فقال ابن عبّاس: أتعلّمني بالسنّة لا أمَّ لك؟!) وفي رواية (أتعلّمنا بالصلاة وكنّا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!)، وقد أخرج الشيخان إنكار عائشة على أمّ مسطح حينما قالت: (تعس مسطح)، فقالت عائشة رضي الله عنها: (بئس ما قُلْتِ، أتسبين رجلاً قد شهد بدراً؟). وفي الصحيحين إنكار معاذ على من قال في حقّ كعب بن مالك: (حبسه برداه والنظر في عِطْفَيْهِ) فقال معاذ: (بئس ما قلتَ. والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلاّ خيراً). ويلاحظ هاهنا أنّ الذي طعن في كعب بن مالك رضي الله عنه رجلٌ من بني سَلِمَة الذين جاء بعضهم إلى كعب يحثّونه على الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فما أقلَّ إنصاف الطاعنين في الصادقين، وما أقربهم إلى الكذب على الصالحين!
ثم جاء أهل الحديث فأصَّلوا مناهجهم من وحي هذه السُّنن، ووضعوا قواعدهم على هدي القرآن في الأمر بالتثّبت والنهي عن الظنون الآثمة، وأسّسوا بنيانهم على تقوى من الله ورضوان. فنجد الذهبي في "ميزان الاعتدال في نقد الرجال" يردّ جرح ابن طاهر لابن خيرون فيقول: (تكلّم فيه ابن طاهر بقول زيفٍ سمجٍ .. وهو أوثق من ابن طاهر بكثير بل هو ثقةٌ مطلقاً)، ويردّ طعن ابن الثلجي في حمّاد بن سلمة فيقول: (ابن الثلجي ليس بمُصَدَّق على حمّاد وأمثاله، وقد اتُّهِمَ)، ولا يقبل جرح الحمّاني ليونس بن بكير قائلاً: (هو أوثق من الحمّاني بكثير)، وقد شنَّع على العُقيلي لذكره علي بن المديني في الضعفاء قائلاً: (لو تركت حديث عليّ – وسمَّى معه جماعة – لغلّقنا الباب وانقطع الخطاب ولماتت الآثار واستولت الزنادقة ولخرج الدجّال. أَفَما لك عقل يا عُقيلي؟! أتدري فيمن تتكلّم؟ وإنّما اتبعناك في ذكر هذا النّمط لِنَذُبّ عنهم ولنزيّفَ ما قِيل فيهم، كأنك لا تدري أنّ كلّ واحد من هؤلاء أوثقُ منك بطبقات)! وقال رحمه الله في "الرواة الثقات المتكلَّم فيهم بما لا يوجب الرد": (تكلّم الناس في أحمد. ومن يسلم من الكلام بعد أحمد؟!).
وقد كان من أصول النقد عند علماء المسلمين أنهم يتأنّون في البحث، ويترفقون في الأحكام، ويتوقّفون عن تغليط الأعلام، فيهم (الحِلم والأناة)، فتراهم يلتمسون الأعذار، ويبحثون عن المخارج إلاّ إذا عدموا الوسيلة وأعيَتهم الحِيلة. وأمّا المسارعة إلى التغليط ورَمْيُ العلماء بالأوهام فمسلكٌ مذمومٌ عندهم، لا يتساهلون مع الواقع فيه ولو كان كبيراً، بل يُتْبِعونه عِتاباً ونكيراً؛ كما قال الحافظ ابن حجر في كتاب الصلاة من "الفتح" ردّاً على القاضي عياض حين غلّط يحيى بن سعيد القطان لأنّ ابن عمر قد قال: (نسيتُ أن أسأله كم صلّى) قال: وإنمّا دخل الوهم عليه من ذكر الركعتين بعد، قال ابن حجر: فهو كلامٌ مردودٌ، والمغلِّط هو الغال، فالعجب من الإقدام على تغليط جبل من جبال الحفظ بقول مَنْ خَفِيَ عليه وجه الجمع بين الحديثين فقال بغير علم. ولو سكت لسلم)، وقال ردّاً على الدّاودي في كتاب النكاح حيث استنكر رواية من روى (وزن نواة) في "باب الوليمة ولو بشاة". قال الحافظ: (واستنكاره هو المُنكر؛ لأنّ الذين جزموا بذلك أئمة حُفّاظ).
وأمّا الهمّازون اللّمّازون الكذّابون الدّجّالون فلهم شأن آخر؛ فأولئك لا دواء لهم إلاّ بالرّدّ عليهم ومُقارَعَتهم بالحجج ودمغ باطلهم بالدليل الصحيح، (بل نقذف بالحقّ على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق). فمن هؤلاء الشيعةُ الروافض الذين يصدق عليهم قول عائشة رضي الله عنها - كما في صحيح مسلم - لعروة بن الزبير: (يا ابن أختي أُمِرُوا أن يستغفِروا لأصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم فسَبُّوهم!)، وقال الذهبي: (فهذا النوع لا يُحتجُّ بهم ولا كرامة. وأيضاً فما أستحضر الآن في هذا الضرب رجلاً صادقاً ولا مأموناً، بل الكَذِب شِعارهم، والتَقِيّة والنّفاق دثارهم!). ورحم الله ابن عساكر فقد قال في "تبيين كذب المُفتَري": (إنّ لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتَقِصِيهم معلومة، وإنّ مَنْ أطلق لسانه في العلماء بالثلب، ابتلاه الله تعالى قبل موته بموت القلب (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم)!).
وقد وصف الله تعالى عباده المتقين بأنّهم (يقولون ربّنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غِلاً للذين آمنا ربّنا إنّك رؤوف رحيم)، وأثنى سبحانه على أبي أيوب وزوجه رضي الله عنهما حينما كذَّبا ما قيل في عائشة رضي الله عنها فقال تعالى (لولا إذ سمعتموه ظنّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً وقالوا هذا إفكٌ مبين. لولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أنّ نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتانٌ عظيم)، وحكت عائشة في موقف زينب أنها قالت: (أحمِي سمعي وبصري، والله ما علمتُ إلاّ خيراً وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فعصمها الله بالورع وطَفِقَت أختُها حمنة تُحارب لها فهَلَكت).
فمن لنا في زمان الجُحُودِ بمن يُسْأَل عن عالمٍ صالحٍ فيتمثّل قول بريرة – يرحمها الله – لمّا سألوها عن عائشة رضي الله عنها فقالت: (سبحان الله. والله ما علمتُ عليها إلاّ ما يعلم الصائغ على تبِر الذهب الأحمَر!)؟
المصدر: موقع المشكاة (علماء السودان)
| < السابق | التالي > |
|---|