التنوع الإسلامي

الهوية والمواطنة الهوية الدينية والهوية الوطنية أسباب نظرة الريبة تجاه ما هو إسلامي في مصر
الهوية والمواطنة الهوية الدينية والهوية الوطنية

أسباب نظرة الريبة تجاه ما هو إسلامي في مصر

محرر الموقع

المتأمل في أحوال المجتمع المصري في الآونة الأخيرة يستطيع أن يستشعر هذه الحالة من حالات الزخم الفكري المضطرب بين فئات المجتمع عامة و الشباب منها خاصة، والكل يردد بل و يتبنى أفكارا بعضها إسلامي و أكثرها غير ذلك ، ويدعى أن هذه الأفكار أو تلك المذاهب هي طوق النجاة للبلاد و العباد من حالة الفوضى التي نعيشها؛

 

و الذي أزعجني كثيرا هو أن نظرة الشباب الذي يوصف بأنه مثقف وأستطاع أن ينتزع حريته بدماء شهداءه وإصراره، أراه ينظر إلى الأفكار الإسلامية بنوع من الريبة والتوجس؛ بل أستطيع أن أدعى أن هناك التباس في بعض المفاهيم فضلا عن وجود فهم مغلوط للبعض الأخر؛ وهذا جعلني أفكر مليا في أسباب هذه الريبة وذلك التوجس تجاه ما هو إسلامي في المجتمع المصري، مع محاولة الفهم الصحيح لكل سبب من منظور إسلامي.

الشباب المصري يُنزل الدين الإسلامي مكانة عالية في قلبه و عقله، وهذا مما لا شك فيه، و لكن أستطيع أن أستشعر أن هناك ازدواجية في النظرة إلى الدين الإسلامي من جانب شباب الثورة المصري، فهم يفرقون بين الدين الإسلامي كمفهوم و نظرية، من جهة، و تطبيق هذه الفكرة عمليا أو إنزال هذه النظرية على أرض الواقع، من جهة أخرى؛ ولو أمعنا النظر لوجدنا أن هناك شرخ عميق في نظرة الشباب للإسلام من حيث شمولية الإسلام لجميع مناحي الحياة المختلفة، واستيعاب هذا الدين لاختلاف الزمان و المكان و الإنسان؛ أرى أن الشباب يحصرون الإسلام في مجموعة من الطقوس في البيوت و دور العبادة، و يزعمون أنه يتم تطبيقه عمليا عن طريق التسامح في التعامل مع الأخر أو تبنى مجموعة من الأخلاقيات العامة - التي يشترك فيها مع الأديان الأخرى- مثل الصدق و الأمانة... إلى آخره؛ وأخشى أن يكون هذا التطبيق بدافع أنها قيم سامية لا تتصادم مع القيم العالمية، و بالتالي قناعة التطبيق قائمة على محاكاة القيم السائدة و ليست قائمة على قناعة كاملة بأنها قيم أصيلة في الإسلام نفتخر بها كما نفتخر بقيم أخرى في ديننا لا تتفق مع الانتهازية و الانتفاعية التي تبررها الحضارة العالمية بدعوى التقدم و العصرية المزعومة؛ فالإسلام يربط الدين بالدنيا في ترابط منسجم بخلاف المثالية الموجودة في ديانات أخرى، ويربط بين النظرية و التطبيق في تآلف منطقي بخلاف الواقعية المادية، و يصهر مصلحة الفرد و مصلحة المجتمع في بوتقة واحدة بخلاف البراجماتية النفعية.

و عند إبراز مفهوم أن الدين منهج تطبيقي في جميع مناحي الحياة بداية من طهارة البدن و انتهاءا بإذعان الروح والعقل له كسلطان و مُشرِّع، مصداقا لقوله تعالى « قُلْ إنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْت وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ» [الأنعام- 17]، تجد نظرات الريبة و الشك تتسلل و ترتسم على وجه هؤلاء الشباب، و تستشعر اضطراب و حيرة غير مُبررة في عقولهم؛ و نستطيع أن نلتمس العذر لهؤلاء الشباب في هذا التخبط و في تلك الحيرة لوجود أسباب خارجة عن إرادتهم، و لكن لا نستطيع أن نُخلى مسئوليتهم المباشرة عنها في ذات الوقت.

ونستطيع أن نحصر أسباب تبنّى شباب الثورة المصرية لنظرة الريبة تجاه ما هو إسلامي في مصر إلى ثلاثة محاور أساسية:

• محور الأسرة؛ و هي أصغر وحدة بنائية في المجتمع و فيها تتم التنشئة بشقيها الإسلامي و السياسي.

• محور مفهوم الشباب للإسلام؛ و المتمثل في النظرة إلى الشريعة الإسلامية والنظرة إلى دور الجماعات والهيئات الإسلامية في المجتمع.

• محور العوامل الخارجية؛ و يحتوى على عوامل خارجية تلقي بظلالها لإذكاء نظرة الريبة تجاه الإسلام ككل و تتمثل في طغيان الثقافة الغربية، و عدم وجود نماذج لدول إسلامية ناجحة، بالإضافة إلى الإعلام المعتل.

وفيما يلي سوف ألقي الضوء على كل محور من هذه المحاور من منظور إسلامي:

أولا محور الأسرة:

1. التنشئة الإسلامية للنشئ: هذا العامل من العوامل التي يغفل عنها مع الأسف القائمون على التربية في مجتمعاتنا العربية بالرغم من خطورته على النشئ الذي في طور التكوين، حيث أن تبنِّى الأفكار الإسلامية يُغرَس في النشئ منذ نعومة أظفاره، ولكن مع الأسف، نجد الآن أن مجتمعاتنا تتجه إلى تثقيف و تعليم وغرس الثقافة الغربية في النشئ كمظهر من مظاهر التفاخر أو التطور والعصرية متناسين هذا التأثير الخطير على شخصية الفرد المسلم عند بلوغه؛ فنجد الفرد قد نشأ على مبادئ الأثرة وحب الذات و الإستهلاك - مبادئ الرأسمالية- وهي كلها مفاهيم غربية تعمل على إذكاء القيم الفردية الأنانية على حساب مفاهيم العمل الجماعي و القناعة و الرشد في الإستهلاك ؛ ناهيك عن أن المدارس الآن تبتعد شيئا فشيئا عن تدريس و غرس القيم الإسلامية و الإهتمام فقط بتدريس بعض الأخلاقيات العامة التي يتساوى فيها المسلم و غير المسلم، بل و الأخطر من ذلك هو تطويع معاني آيات القرآن للنظريات التربوية الغربية المعاصرة أو تطبيق هذه الآيات على واقع معين أو سلوك معين قد لا يكون منطبقا عليه بالفعل1، لذلك ليس من المستغرب أن نجد الشباب الآن مطموس الهوية الإسلامية بل و مقطوع الصلة عن التراث و التاريخ الإسلامي العريق و بالتالي ينظر إلى ما هو إسلامي بنوع من الريبة لأنه غير معتاد عليه.

ويجب هنا التنبيه على بعض الأمور الهامة عند تنشئة الطفل المسلم داخل محيط الأسرة:

• غرس مبادئ العقيدة الإسلامية في النشئ و تربيته على أركان الإسلام و الإيمان بالأمور الغيبية كالأيمان بالله و ملائكته و رسله و اليوم الآخر و سؤال الملكين و البعث و الحساب و الجنة و النار؛ و كان من سنة الرسول (ص) الهمس بصيغة الآذان في أذن المولود لإرساء كلمة التوحيد التي هي أصل العقيدة ؛ و كان الرسول (ص) يُعلم إبن عباس أصول العقيدة و هو غلام ؛فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ « كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ» [سنن الترمذي].

• يجب تنشأة الطفل على معرفة أحكام الحلال و الحرام و يرتبط بمخافة الله عز و جل ويتعلق بأحكام الشريعة الإسلامية فلا يعرف سوى الإسلام آمرا و ناهيا، خصوصا بعد ظهور دراسات إسلامية تأصيلية معاصرة توضح اضطراب منظومة القيم و المناهج المعرفية الغربية التربوية بسبب الفلسفات الوضعية2.

• يجب تنشأة الطفل على الإعتزاز بكونه مسلم و أن الإسلام هو دينه ، وهذا أمر في غاية الأهمية ، وهذا الإعتزاز يكون عن طريق قص سيرة الرسول (ص) و قصص الصحابة وعظماء الإسلام وغرس هذه النماذج في نفس ووجدان الطفل المسلم لكي يكون معتزا و فخورا بالإسلام عند بلوغه.

2. التنشئة السياسية من منظور إسلامي: وهذا النوع من التنشئة يخفي على كثير من المنوط بهم تربية النشئ في مجتمعاتنا؛ و حيث أن الممارسة السياسة تكاد تكون محظورة في مجتمعاتنا، فالقائمين على التربية أنفسهم لم يمارسوها - و حيث أن فاقد الشئ لا يعطيه - نجد أن هذا المفهوم غير موجود أساسا في أولويات تربية الطفل المسلم في مجتمعاتنا؛ و بالرغم من وجود بعض الوسائل العلمية و الأبحاث في هذا المجال إلا إنه لم يلقى الإهتمام الكافي ؛ و الهدف من مثل هذه التنشئة هو مساعدة الطفل المسلم على إستيعاب واقع مجتمعه المسلم و فلسفته و أهدافه لكي يشب الطفل المسلم مواطنا مسلما صالحا ليس بينه و بين قيم المجتمع أي تعارض أو صدام و في نفس الوقت يتم إعداده لمواجهة أي غزو ثقافي أو فكرى؛ ودور الأسرة هنا دور أساسي حيث يجب الإهتمام بتربية النشئ على المطالبة بحقوقه المشروعة داخل محيط الأسرة الصغير في مقابل أداء الواجبات التي عليه.

و أساس هذه التنشئة السياسة هو الحث على إبداء الرأي و التعبير عن الذات، و يمكن أن يتم غرس مبدأ إبداء رأيه دائما عن طريق ترك مساحة من جانب الوالدين للطفل للتعبير عن رأيه بل و الاعتراض أحيانا، ثم بعد ذلك يتم إقامة حوار معه لإقناعه بوجهة النظر الصحيحة؛ و أيضا يجب تربيته على عدم السكوت عن أي شئ يحدث أمامه مخالف للمبادئ الإسلامية المغروسة فيه، بل يجب عليه أن يعبر عن ما يحدث أمامه بقول هذا حلال أو هذا حرام و توطينه على ألا يكون إمَّعة كما قال الرسول (ص) « لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً ، تَقُولُونَ : إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا ، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ ، إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا» [الترغيب والترهيب]؛ و يمكن غرس هذا المفهوم في نفوس الأطفال عن طريق عدة طرق منها:

• إذكاء روح العمل التطوعي والجماعي و الدفع به إليه سواء في المدرسة أو في أي جهة أخرى.

• إشراكه من حين إلى أخر في بعض الأعمال الجادة التي لا يقوم بها إلا الكبار مثل إعطاء صدقات للفقراء.

• جعله يهتم بقضايا المسلمين على مستوى العالم كالاهتمام بالأطفال في غزة.

• استشارته في بعض الأمور التي تخص الأسرة و التي يؤخذ فيها قرار، مثل مكان قضاء عطلة نهاية الأسبوع أو قرار شراء بعض الكتب الإسلامية لمكتبة المنزل.

• غرس مبدأ الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر كما ذكر القرآن في قول لقمان لابنه وهو يعظه « يٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ» [ لقمان-17].

وقد أشارت السيرة النبوية العطرة إلى هذا المفهوم بل وأنزلته أرض الواقع لكي يكون واقعا عمليا في عدد من المواقف منها3:

• في مجال التربية على القيادة عمليًا نرى كيف يمكن للصغير المميز أن يقوم بإمامة الكبار في الصلوات، مثل حديث عن عمرو بن سلمة قال : قال النبي (ص) » ... صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا ، وَصَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا ، فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا: فَنَظَرُوا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ قُرْآنًا مِنِّي ، فَقَدَّمُونِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ، وَأَنَا ابْنُ سِتٍّ أَوْ سَبْعِ سِنِينَ « [البخاري].

• بل أكثر من ذلك حيث نجد قبول بيعة بعض صغار السن من الصحابة مثل عبد الله بن الزبير «... ثُمَّ جَاءَ بَعْدُ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ أَوْ ثَمَانِ لِيُبَايِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ... فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَآهُ مُقْبِلا إِلَيْهِ ، ثُمَّ بَايَعَهُ » [مسلم].


ثانيا محور مفهوم الشباب للإسلام:

1. النظرة إلى الشريعة الإسلامية: الأمر الذي يُؤرق حقيقة في هذه النقطة هو هذه النظرة التي يشوبها الريبة في تطبيق الشريعة الإسلامية كنظام شامل لجميع شئون الحياة ؛ الذي يُؤسفُ له أن أناسا كثيرين في المجتمع المصري ينظرون إلى الشريعة الإسلامية من المنظور الجنائي فقط الذي يصور قطع يد السارق و القصاص في القتل إلى آخره ... من تلك الحدود التي سنتها الشريعة الإسلامية الغراء، و المثقفون منهم يدًّعون أن الشريعة لم تطبق إلا في عهد الخلفاء الراشدين فقط وفي عصر عمر بن الخطاب بالتحديد، فكيف تطبق في عصرنا الحالي ما أخفقت فيه العصور الإسلامية كلها4؛ و هذا بقدر ما يثير الخوف لدى البعض من قسوة هذه الحدود في ظاهرها - بزعمهم- إلا إنه يثير الاستخفاف لدى البعض لما يصوره من عودة إلى الزمن الماضي البائد والذي لا يصلح تماما مع الوقت المعاصر؛ وهذا حقيقة يؤلمني كثيرا لأنه يظهر هذه السطحية الشديدة في فهم المجتمع ككل و الشباب منه خاصة لحقيقة الشريعة الإسلامية الغراء، و الذي خدم هذا المفهوم السطحي، افتراءات و إدعاءات روج لها العلمانيون في القرن الماضي من أمثال فؤاد زكريا و فرج فودة؛ وسوف أوضح بعض النقاط الهامة لإزالة هذا الالتباس:

• الشريعة الإسلامية تعتبر نظام شامل لحياة المسلم والجانب الجنائي (تطبيق الحدود) الذي يبالغ في تصويره البعض ما هو إلا جزء صغير من أحد ثلاثة محاور رئيسية تقوم عليها الشريعة الإسلامية وهي:

o الأحكام الاعتقادية التي تنظم علاقة الفرد المسلم بربه (سبحانه وتعالى) و إيمانه به و اليوم الآخر.

o الأحكام الأخلاقية و التي تهتم بأمور الأخلاق كالصدق و الأمانة وحرمة الكذب والخيانة...

o الأحكام العملية وهذه الأحكام تنقسم بدورها إلى أحكام عبادات كالصلاة والصوم ... إلى آخره ، وأحكام معاملات وتحتها تندرج أحكام تحديد علاقة الفرد مع المجتمع في الأعمال المنهي عنها مثل الحدود والتعزيرات و العقوبات.

و من هنا نرى أن مفهوم الحدود ما هو إلا جزء ضئيل من الأصل الكبير للشريعة الإسلامية ، فقد ذُكِرت الحدود في عشر مواضع فقط في القرآن الكريم علما بأن آيات القرآن تزيد عن ستة آلاف آية؛ وهذا يعنى أن ميزان القرآن - الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه – قد أعطانا الحجم الحقيقي للحدود مقارنه بالقواعد الأساسية الأخرى اللازمة لإرساء الشريعة الغراء.

• تتميز الشريعة الإسلامية عن أي شرائع أخرى سواء كانت سماوية أو وضعية بأن بها قواعد تنظم الأخلاق و تربى الحس و الذوق و الوجدان في حين أن الشرائع الأخرى تفصل تماما بين أمور العقيدة و العبادات من جهة و بين الأمور الحياتية والمعيشية من جهة أخرى ؛ و يكفنا وصف إبن القيم لهذه الشريعة الغراء عندما قال في"إعلام الموقعين": "مبناها وأساسها الحِكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها"5.

• يجب أن يُزال هذا الالتباس لدى المجتمع أن الشريعة الإسلامية تتصادم مع إطلاق الحريات ، و الحقيقة أن الحرية و العدل هما أساسا الشريعة الإسلامية فهما يمهدان لها ولا يتصادمان معها؛ وهناك إشارات كثيرة في تاريخ المجتمع المسلم الراشد تشير إلى هذا المفهوم، و منها قصة لعمر (الفاروق) وهو يخطب على المنبر في الناس وقال أيها الناس اسمعوا و أطيعوا فقام سلمان الفارسي رضي الله عنهم جميعا وقال لا سمع ولا طاعة إلا عندما تخبرنا من أين لك هذا... - وكان عمر يلبس قطعتين من القماش بينما هم قطعة واحدة- فقال عمر قم يا عبد الله بن عمر، وأخبر القوم، فقال عبد الله بن عمر، إن أبى رجل جسيم طويل القامة و رأيت أن أعطيه قطعتي من القماش ، فقال سلمان الآن لك السمع والطاعة؛ من هذه القصة نستطيع أن نرى أن حرية الرأي مكفولة في المجتمع المسلم الراشد بل أنها أداة لتقويم ولي الأمر إذا لزم الأمر و على ولى الأمر أن يتجاوب معها لكي يزيل أي شبهة في أفعاله.

• تتميز الشريعة الإسلامية بالمرونة لأنها تأخذ في اعتبارها تغيرات الزمان والمكان والإنسان في ضوء اجتهاد المجتهدين الذين يجمعون بين الأصالة والمعاصرة ؛ الذين ينتفعون بكل قديم نافع ويرحبون بكل جديد صالح؛ و قد عطل سيدنا عمر رضي الله عنه حد السرقة في عام المجاعة لأنه رأى أن وجود المجاعة سبب مباشر في السرقة ، و على هذا الأساس يجب أن يقام العدل الاجتماعي و سد حاجات الناس أولا قبل أن تطبق الحدود التي تأخذ في الحسبان الظروف المحيطة والت تقف كرادع شرعي لكل من تسول له نفسه خرق شرعية هذا المجتمع.

و من هنا نرى أن أكذوبة عدم صلاحية الشريعة الإسلامية للعصر الحالي ما هي إلا فرية اختلقها الذين ختم الله على قلوبهم من العلمانيين مدَّعِى الثقافة، و تبعهم من جعل الله الصمم في آذانهم و الغشاوة على أبصارهم من المتأخرين.

2. الدور الفعلي الذي تقوم به الجماعات والهيئات والمؤسسات الإسلامية في مصر: هذا الدور يتمثل في عدد من النماذج أهمها النموذج السلفي والذي بدأ نشاطه في مصر في السبعينيات من القرن الماضي بالإضافة إلى نموذج الإخوان المسلمين الذي له باع كبير في العمل الدعوى المنظم منذ عشرينيات القرن الماضي عندما تأسست الجماعة على يد حسن البنا ، بالإضافة إلى المؤسسة الدينية الرسمية و المتمثلة في الأزهر والأوقاف ودار الإفتاء؛ وفيما يلي توضيح فيما يخص الدور الفعلي الذي تقوم به الجماعات والهيئات والمؤسسات الإسلامية :

• بالنسبة للنموذج السلفي: يرى البعض أن السلف تقوقعوا داخل نطاق تدريس العلم الشرعي داخل المساجد وهذا في حد ذاته محمود بل و مطلوب بشدة في هذه الأوقات التي يحارب فيها الإسلام من جميع الاتجاهات وقد رغَّب الإسلام في العلم و الحرص على تعلمه كما قال رسول ألله (ص) «خيرُكم من تعلمَ العلمَ وعلمه» [البخاري] و قال أيضا «الدّنيا ملعونةٌ ملعونٌ ما فيها إلا ذكر الله وما والاه أو عالماً أو متعلماً» [سنن إبن ماجة] و أحاديث فضل العلم و الحث على طلبه كثيرة و متعددة ولن يتسع المجال لذكرها.
انتهج السلف مبدأ "من السياسة ترك السياسة الذي يدعو المسلم إلى طاعة ولي الأمر، (ولو جُلد ظهره وأخذ ماله)؛ و لكن يبقى هذا التساؤل الذي يطرح نفسه، و هو هل يمكن أن نسخِّر كل وقتنا للعلم الشرعي في حين أن يد ولاة الأمر تعيث في الأرض فسادا أمام أعينينا ولا نُحرك لها ساكنا ؛ هذا السؤال كان يدور في ذهن المجتمع و الشباب منه بالذات ؛ وعند التصريح بمثل بهذه الأسئلة للنخب السلفية تجدهم يصرحون بأحاديث زجر الخروج على الحاكم مثل ما روى عن الرسول أنه قال « اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا ، وَإِنِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ » [البخاري] أو التي يُنهى فيها عن رفع المسلم السيف في وجه أخيه المسلم كما قال الرسول (ص) «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ. فقال رجل: هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ »[البخاري].

وتبقى الحيرة في عقول وقلوب الشباب ويتساءلون، ما الذي يجب أن نفعله لكي نشارك في صناعة مصير بلادنا!؛ فنجد أن السبيل الوحيد لهم هو التعبير السلمي من خلال التظاهرات و في المقابل نجد أن السلف يردوا على مثل هذه التظاهرات بأن ليس لها رصيد في أعمال الصحابة والسلف الصالح؛ وبالتالي تتفاقم المشكلة في عقل ووجدان الشباب حول كيفية تبنى النموذج السلفي لما يجيش في صدورهم من أحلام وأهداف.

• بالنسبة للإخوان المسلمين: لا نستطيع أن نتهم الإخوان المسلمين بالتقصير في العمل الدعوى أو السياسي على حد سواء، فلديهم تاريخ طويل من مقارعة الاستبداد في مصر، ولم تبذل حركة وطنية مصرية خلال القرن العشرين من ثمن مقارعة الاستبداد بقدر ما بذل الإخوان في أرواحهم وأموالهم وحرياتهم وكرامتهم الشخصية6؛ بل كان شعارهم حديث رسول الله (ص) « أَفْضَلُ الْجِهَادِ ، كَلِمَةُ حَقٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ» [السلسلة الصحيحة]، ولكن نستطيع أن نحدد سببين رئيسيين أضروا بالمجهود الضخم الذي بذلوه في نشر دعوة الإسلام وهما:

o السبب الأول، يعتبر غير مباشر، أو أن الإخوان المسلمين لم يكن لهم دور مباشر فيه، وهو أنهم قد تم تصويرهم كعبرة للشباب من قبل النظام المستبد لمن يجرؤ على اتخاذ المفهوم الإسلامي كمحور ارتكاز في العمل السياسي؛ و بالتالي كانوا كبش فداء يتم التلويح به من قبل النظام لزجر الشباب عن الزج بنفسه إلى غياهب العمل السياسي عامة و الإسلامي منه بصفة خاصة.
o السبب الثاني، عدم وضوح رأى الإخوان المسلمين أو على الأقل عدم اهتمامهم بتوضيح تَوجُه الجماعة تجاه بعض القضايا الهامة و التي تشغل بال الكثيرين من المجتمع مثل موقف الإخوان من التحديات الخارجية، مثل العلاقة مع الوليات المتحدة ، اتفاقية السلام مع إسرائيل، الموقف من الفصائل الفلسطينية المختلفة، مدى تدخل رجال الدين في آليات اتخاذ القرار السياسي في حال وصولهم إلى سُدة الحكم؛ بالإضافة إلى وجهة نظر الجماعة في الأمور ذات الشأن الداخلي ، مثل الموقف من حرية الأقليات، النظرة إلى الفن بجميع أشكاله ، النظرة إلى المرأة ... إلى آخر هذه الأمور؛ وأعتقد أن هذا يرجع إلى التعود على الهوية المنفصلة عن المجتمع جراء ثمانين عاما من العمل التنظيمي والسياسي في الظل وتحت القهر والاستبداد من قبل النظام الحاكم.

• بالنسبة إلى المؤسسة الدينة الرسمية: بدأ دور الأزهر يتضاءل منذ صدور قانون تطوير الأزهر الأول الصادر عام 1961، والذي تضاءل بعده دور الأزهر بصورة كبيرة، ثم بعد صدور قانون تطوير الأزهر الثاني الصادر عام 1998 والذي تلاه ما يشبه الغياب الكامل للمؤسسة الدينية عن القضايا العامة والعالمية والأحداث المتلاحقة والتي غاب عنها الأزهر أو اتخذ فيها مواقف متخاذلة، كحروب البلقان (البوسنة والهرسك) أو الحروب الأخيرة في أفغانستان والعراق وكذلك قضايا الأقليات الإسلامية في العالم ، و ملف القدس والصراع العربي-الصهيوني بالإضافة إلى المواقف المتخاذلة على الصعيد الداخلي مثل القضايا التي تخص النقاب، مرورا بمشكلات الفقر والبطالة وأداء النظام الحاكم - المتردي - على المستويين السياسي والاقتصادي ، و انتهاءا بمطالب الجماهير المصري بالإصلاح والتغيير، لذلك أصبح الأزهر في السنوات الأخيرة إحدى أدوات تنفيذ سياسات النظام الحاكم والسلطة في مصر؛ حيث أصبح تبرير قرارات و سياسات النظام إحدى مهامه الأساسية و أبتعد عن دوره الأساسي تماما.

3. نظرة المجتمع المصري بجميع أطيافه إلى هذا الدور الذي تقوم به الجماعات والهيئات والمؤسسات الإسلامية في مصر ؛ من المعلوم أن المجتمع المصري به أنماط إجتماعية متعددة يتمركز معظمها حول الاعتدال الفكري كمفهوم و تطبيق في الحياة اليومية ؛ وبالرغم من هذا لا يجب إنكار وجود فصائل إجتماعية أخرى تتبنى بعض الأفكار التي تكاد تصل إلى حد الإفراط أو التفريط ؛مثل إعتناق بعض الأفكار و المذاهب الدينية المتشددة والتي يوجد فيها سعه من حيث أراء الفقهاء، هذا من جهة، أو إعتناق بعض الأفكار المتحررة كاليبرالية أو العلمانية من جهة أخرى؛ و فيما يلي توضيح فيما يخص نظرة المجتمع المصري للجماعات والمؤسسات:

• النظرة إلى النموذج السلفي:هذه النظرة تتمثل في أن النموذج السلفي لا يستطيع أن يُعبر عن متطلبات المجتمع المختلفة في الانفتاح على العالم والأخذ منه في مجالات متعددة من ضمنها الجانب الفكري، و الذي يراه الفصيل السلفي أنه انسلاخ من الإسلام و يبرروا هذا بمفاهيم إسلامية أصيلة ترتكز بالأساس على مفاهيم العقيدة و الحاكمية لله و الشريعة الإسلامية ؛ هذه المفاهيم لا يكاد معظم المجتمع المصري - و الشباب منه خاصة - أن يفهمها الفهم الصحيح ويُنزلها قدرها المُستحق، بل يعتبرها نوع من أنواع التشدد الديني الذي لا يتناسب مع الانفتاح على العالم ؛ بالإضافة إلى ذلك المظهر الديني الواضح في طريقة الخطاب، من جهة، و السَمت الخارجي المتمثل في اللحية و طريقة اللباس، من جهة أخرى؛ مثل هذه الأمور تجعل فصائل كثيرة من المجتمع المصري تتردد في الوثوق بالتيار السلفي كراعي لأهدافهم المرجوة في المرحلة القادمة، ولكن ينظرون إليه كخيار هادئ للهروب من سُعار الحياة المادية إلى واحة الدين الهادئة التي لا تهتم بمظاهر إجتماعية أو قناعات سياسية.

• النظرة إلى نموذج الإخوان المسلمين: ينظر معظم المجتمع المصري - خصوصا النخبة المثقفة منهم - إلى الإخوان المسلمين كفصيل سياسي يعمل بشتى الطرق للوصول إلى سُدة الحكم ، وهي نظرة تحمل في طياتها وصف الإخوان المسلمين بالانتهازية بل و استغلال الشعارات الدينة البراقة لإضفاء نوع من الشرعية التي تخفي وراءها انتهازية شديدة ، وهذا أكثر ما يُحيِّر في انطباع هذه النخبة المثقفة عن الإخوان المسلمين حيث أنه انطباع لا مُبرِر له سوى التضليل أو عدم فهم لحقيقة دعوة الإخوان المسلمين خصوصا بعد أن استطاعوا أن يظهروا أداءا سياسيا ناجحا للدعوة الإسلامية من خلال الممارسة السياسية في البرلمان - حيث كان الأداء البرلماني للإخوان المسلمين مثار إعجاب الكثيرين - بالإضافة إلى الأعمال التطوعية و الخيرية الكثيرة التي يقدمها الإخوان المسلمون لشريحة كبيرة من المجتمع المصري ، فضلا عن تصريحهم أنهم لن يكون لهم مرشح للرئاسة في الفترة القادمة وسوف يكون تمثيلهم في البرلمان للمشاركة لا المغالبة؛ و لكن يظل هذا الانطباع الذي يطل برأسه بين الحين و الحين عن هذا الأداء السياسي المتميز أو ذلك العمل التطوعي الخيري لدى معظم المجتمع المصري أنه يخفي وراءه انتهازية قبيحة تريد الإنفراد بالحكم ووضع الأمة المصرية كلها في مصادمات مع قوى خارجية لفرض الشريعة الإسلامية و التمسك بالمبادئ الإسلامية في حكم البلاد.

• النظرة إلى المؤسسة الدينة الرسمية: أما فيما يخص النظرة إلى المؤسسة الدينية الرسمية فهي نظرة بها مزيج من الاستخفاف و الريبة ؛ حيث أنها لم تقم بدور واضح لعقود للدفاع عن القضايا الإسلامية التي تطفو على السطح من حين إلى أخر؛ وهذا إن دل على شئ فإنما يدل على التبعية و الخنوع للنظام الحاكم أو الخروج عنه بهامش محدد مسبقا من قبل النظام ؛ وهذا يُعطى انطباع ساخر لدى المجتمع تجاه الدور الحقيقي الذي تلعبه هذه المؤسسة العريقة ؛ بالإضافة إلى إضفاء نوع من التوجس والريبة في مدى مصداقية هذه المؤسسة التي تدين بالولاء للنظام الحاكم على حساب متطلبات الشريعة والدين؛ وبالتالي فقدت تلك المؤسسة تأييد الشارع المصري لها فضلا عن الوثوق بها لتبنى آمال و أحلام الشعب و التعبير عن نبضه.

ثالثا محور العوامل الخارجية:

1. طغيان ثقافة الغرب: وهو عامل هام من أسباب نظرة الريبة تجاه ما هو إسلامي في المجتمع المصري ؛ وهذا يرجع إلى سببين أحدهما جلي واضح والآخر يخفي على البعض:

• أما السبب الواضح فهو نجاح النموذج الغربي بشكل مبهر في مجال الحريات و السياسة والاقتصاد على المستوى التنظيري و التطبيقي على حد سواء؛ وهذا كان له صدى واسع في البلاد الأخرى و النامية منها على وجه الخصوص؛ و إن كان هذا النجاح يعتبر نجاحا مؤقتا وسوف يبدأ نجم الحضارة الغربية في الأفول كما تنبأ بذلك بعض المتخصصين في الغرب من أمثال صمويل هتنجتون في كتابه "صراع الحضارات"7 ؛ ولكن مازلت توجد تلك السطوة الغربية على مجريات الأمور في العالم مما يعطى رسالة ضمنية إلى الشعوب المقهورة و الذليلة أن هذه النظرية هي الناجحة و هي التي سوف تسود عاجلا أو آجلا، و بالتالي يفتن الشباب بهذا النجاح المزيف الذي لا يعير اهتماما حقيقيا للمبادئ الأخلاقية و العدل كما يزعمون.

• أما السبب الخفي فهو يتمثل في فتنة الشباب المصري بالنماذج الناجحة داخل المجتمع المصري و الذين يدينون بالولاء للغرب بسبب تشبعهم بهذه الثقافة و تبنيهم لأفكارها و توجهاتها ؛ وذلك يرجع نتيجة اغترابهم لفترات طويلة أو تلقى دراستهم هناك مما ساعد على نقل المفاهيم الغربية إلى مجتمعنا في قالب جذاب يفتن الشباب، ثم رجعوا ومعهم صورة الغرب الذي ارتقى وتحضر - بزعمهم - حين تخلص من قيد الدين وجعله في دور العبادة بعيداً عن الحياة؛ وهذا يذكرنا بتلك البعثات التي أرسلت للغرب في عهد محمد على فكما كانت هذه النماذج تأخذ و تتلقى من منابع العلوم العصرية كانت تتشبع - من حيث لا تدرى- بسموم الأفكار الغربية؛ و مع الأسف تجد الآن شباب كثيرون يؤمنون بالنظرية الغربية في كل صغيرة و كبيرة في حياتهم بل و يعتبرونها المثال النموذجي في الحياة، مصداقا لقول الرسول (ص) «لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ ، قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، الْيَهُودُ ، وَالنَّصَارَى ، قَالَ : فَمَن» [البخاري].

2. عدم وجود نموذج ناجح لدولة إسلامية: هذا العامل يعتبر عاملا مهما يستدل به بعض أعداء الإسلام في التشكيك في إمكانية قيام نموذج أو مشروع إسلامي ناجح في العصر الحالي؛ و يتم التلويح بنموذج الدولة الدينية في إيران كمثال يرفضه العالم الغربي؛ ثم نجد أفغانستان و الويلات التي تعيشها جراء تمسك بعض الفصائل فيها بالدين وكأنه جُرم كبير ؛ و دول إسلامية أخرى مثل إندونيسيا وماليزيا بالرغم من تقدمها الاقتصادي الملحوظ إلا أنها لم تعطى لنا نموذجا إسلاميا متكاملا له حضور دولي من الناحية الاجتماعية و السياسية أمام الطغيان الغربي؛ و هذا يرجع بالأساس إلى النظام الحاكم في بلادنا، و الذي كان لا يولى اهتماما ملحوظا بالعلاقات مع مثل هذه الدول الإسلامية الصاعدة مقارنة باللهث وراء الغرب و في مقدمته الوليات المتحدة لتقديم فروض الولاء والطاعة.

ولا يوجد أمامنا إلا النموذج التركي الذي يعتبر نموذجا ناجحا إلى حد كبير في إعطاء صورة جيدة عصرية لبلد إسلامي بالرغم من الحرب الشعواء التي تشنها المؤسسات العلمانية الداخلية - والتي تمسك بزمام المراكز الهامة في البلد كالجيش و القضاء- على كل ما هو إسلامي في تركيا ، و لكن و بالرغم من هذا كله أصبحت تركيا رصيدا مضافا للإسلام في مواجهة الغرب المتغطرس؛ بل إن تركيا تمثل اليوم نموذجا حيويا وفريدا في امتحان واختبار دور الإسلام في الحياة السياسية، وتأثيراته في رسم معالم السياسات الخارجية للدول الكبرى8 ، وخصوصا بعد عودتها للاهتمام بالشرق و العالم الإسلامي ككل مما أعطاها رصيدا إقليميا كبيرا كما ذُكِر في بعض الدراسات التي ظهرت حديثا 9 على يد كتاب من غير المسلمين.

3. الدور الإعلامي: في هذه النقطة لن أتناول مدى تضليل الإعلام الرسمي للمجتمع في محاولة إذكاء نظرة الريبة تجاه ما هو إسلامي فهذا معروف للقاصي و الداني ، و لكن أسوف أناقش الإعلام الحر - الغير رسمي- والذي يتمثل في وسائل الإعلام المختلفة (المقرؤة والمسموعة و المرئية).

يجب أن يكون هناك إهتمام بما يسمى الإعلام الإسلامي و ليس الإعلام الديني؛ فالإعلام الإسلامي يقوم بإعطاء الصبغة الإسلامية في كل جانب من جوانب الإعلام، فيكون الترويح بشكل إسلامي، و مناقشة القضايا والأخبار من منظور إسلامي ، و محاولة بسط المفهوم الإسلامي على المواد الثقافية و العلمية و الإجتماعية10؛ أما الإعلام الديني فهو ينحصر في تقديم بعض المواد التي تعطى مزيج من القيم الروحية و الدينية و الأخلاقية العامة.

و بالرغم من وجود الإعلام الإسلامي إلى حد ما في إعلامنا العربي إلا إنه به بعض السلبيات، فمثلا نجد أن هناك تركيز في هذا الإعلام بشكل عام على المواد التي يحب المتلقي أن يسمعها أو يراها لأنها سوف تثير اهتمامه و بالتالي سوف يكون هناك ساعات مشاهدة أكثر لهذه القناة أو توزيع أوسع لتلك الجريدة ، و بالتالي نجد أن هناك تركيز مثلا على سرد القصص الدينية المشهورة أو عرض المواضيع الفقهية المتعلقة بالعبادات أو الرد على الأسئلة الفقهية المكررة ؛ ويتم أيضا في أحيان كثيرة التركيز على الشق السياسي من الشريعة أو ما يسميه البعض "الإسلام السياسي" لما له من جماهيرية كبيرة خصوصا في الوقت الذي تمر به الأمة الآن و خصوصا أنه كان منطقة محظورة من قبل الجهات الرسمية ؛ وهذا أمر لا نقلل من قدره فهذا أحد أهم أدوار الإعلام ؛ لكن المأخذ هنا على عدم إعطاء الإهتمام الكافي لجوانب أخرى لا تقل أهمية عن المذكورة آنفا و هي على سبيل المثال لا الحصر:

• عرض الأفكار الإسلامية التي تناقش قضايا فكرية عامة مثل العولمة ، صراع الحضارات ، موقف الإسلام من الأفكار الغير إسلاميه مثل الليبرالية ، الرأسمالية ، الديمقراطية، الدولة الدينة (الثيوقراطية)، الدولة المدنية ... إلى آخره، بشكل موضوعي يتماشى مع روح العصر و يتجاوب مع الأسئلة المحيرة لدى الشباب و المجتمع ككل.

• قضايا الأقليات الإسلامية في العالم ؛ يوجد في العالم ما يزيد على المليار مسلم و توجد مناهضة كبيرة لتلك الأقليات المسلمة في عدد كثير من الدول - مثل الصين أو بورما - فلماذا لا يلقى الضوء على هذه الأقليات و حث المجتمع للتفاعل معها بشتى الطرق و حشد الرأي العام لها.

• قضية أحقية سيادة الفكر الإسلامي كفكر منهجي للتطبيق في كل مناحي الحياة؛ مصداقا لقوله (سبحانه و تعالى) « قُلْ إنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْت وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ»[الأنعام-17] .

• إبراز دور الإسلام المعتدل و إعلاء صوته ونشر أفكاره المعتدلة لتصب في الحياة اليومية للمجتمع و البعد عن المد الإسلامي المتشدد الذي بدأ ينتشر بشكل كبير والذي يهتم بظاهر النصوص ولا يهتم بفقه المقاصد و الغايات، مصداقا لقوله (سبحانه و تعالى) «وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ» [البقرة-143].

• الإهتمام بطرح قضايا المعاملات بنفس قدر الإهتمام بعرض قضايا العقائد و العبادات.

خاتمـة:

و من هذه المحاور نخلص إلى أن نظرة الريبة تجاه ما هو إسلامي تنبع بالأساس من البعد عن الفهم الحقيقي للإسلام سواء كان ذلك كفكر أو توجه أو تعليم أو تنشئة بقصد من الفرد نفسه أو بسبب ظروف خارجة عن إرادته فالكل يؤدى إلى نفس النتيجة و هو الزيغ عن الحق مصداقا لقوله (ص)« لقد تركتكم على مثل البيضاء ، ليلها كنهارها ، لا يزيغ عنها إلا هالك» [صحيح الترغيب] ؛ وقد سطََّرها لنا عمر بن الخطاب بكلمات من ذهب عندما قال: «نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله»؛ فهذا فيه عبرة لمن كان لهم آذان صاغية و قلوب واعية، فهل هناك من يلقى السمع وهو شهيد !!

الهوامش:

1. "التعامل مع النص القرآني في بعض الكتب التربوية المعاصرة: دراسة نقدية"؛ بحث؛ [جامعة الملك خالد].
2. " فلسفة التربية الإسلامية دراسة مقارنة بالفلسفات التربوية المعاصرة"؛ [ دار الفتح للدراسات و النشر].
3. "ملامح التربية السياسية في ضوء السّنة النبوية؛ بحث؛ [المؤتمر التربوي الأول "التربية في فلسطين وتغيرات العصر" المنعقد بكلية التربية في الجامعة الإسلامية].
4. "تاريخنا المفترى عليه"؛ [ دار الشروق].
5. "إعلام الموقعين عن رب العالمين" - (ج 3 / ص 149)؛ [مكتبة الكليات الأزهرية، مصر، القاهرة].
6. " الإخوان المسلمون سبعون عاما في الدعوة و التربية والجهاد"؛ [ مكتبة وهبة].
7. "صراع الحضارات" - (ص 133 ). [Simon & Schuster]
8. "الحركة الإسلامية التركية، معالم التجربة وحدود المنوال في العالم العربي"؛ [مركز الجزيرة للدراسات]
9. "عودة تركيا إلى الشرق.. الاتجاهات الجديدة للسياسة التركية"؛ [ الدار العربية للعلوم ناشرون].
10. "البرامج الدينية في القنوات الفضائية العربية: دراسة تحليلية"؛ [رسالة ماجستير- جامعة الأزهر].

 


blog comments powered by Disqus